You are currently viewing ما هي العناصر الأرضية النادرة؟

ما هي العناصر الأرضية النادرة؟

السيريوم، نيوديميوم، لانثانوم و غيرها هذه الأسماء التي تبدو صعبة النطق و التي ربما لم يسبق لك أن سمعت بها من ذي قبل هي لعناصر توجد في الطبيعة تتوقف عليها حياتنا اليومية، فلولاها لم تكن لتقرأ هذه المقالة على جهاز جوالك أو حاسبوك، و لم تكن لتستمتع بالتلفزيون الملون، و لولاها لم تكن السيارات الكهربائية لتلقى هذا النجاح الباهر، إن قائمة استخدامات هذه العناصر طويلة جدا و يكاد لا يوجد جهاز الكتروني بين يديك إلا و تدخل هذه العناصر في مكوناته، فالعناصر الأرضية النادرة مفتاح التكنولوجيا الحديثة، و إذا كان صراع الدول العظمى سابقا يدور حول الذهب و الفضة و البترول فإننا اليوم نعيش عصر الصراع على العناصر الأرضية النادرة لأن من يمتلكها يمتلك زمام التكنولوجيا، فما هي العناصر الأرضية النادرة؟

هذه رحلة للتعرف على هذه العناصر التي و إن كنت تجهلها فإنك تستخدمها كل يوم.

حقائق عن العناصر الأرضية النادرة

يوجد في الطبيعة 17 عنصرا ينتمي إلى ما يعرف بالعناصر الأرضية النادرة، من المعلوم أن الانسان قد استخدم عناصر كالحديد و الذهب و الفضة منذ القدم إلا أن هذه العناصر التي هي موضوع حديثنا لم تكتشف حتى القرن الثامن عشر، و لم يجري استخدامها حتى أوائل القرن العشرين.

قد يخدعك اسمها فتعتقد أن هذه العناصر تتواجد بكميات قليلة و لكن الحقيقة ليست كذلك، فالعناصر النادرة ليست نادرة على الاطلاق، بل هي أكثر وفرة من الذهب، و من الوارد أن تكون في التربة التي حولك لكنها تتواجد بتركيز ضعيف جدا بحيث أن الأمر سيتطلب استغلال مساحة شاسعة من الارض و جلب معدات باهظة الثمن من اجل استخراج كمية ضئيلة للغاية من هذه العناصر، و هذا ليس مجد اقتصاديا، و تشبه العناصر الأرضية النادرة في ذلك الذهب في البحر، فالذهب يتواجد بكميات هائلة في مياه البحار و المحيطات لكنه يوجد بتركيز ضعيف جدا بحيث يتطلب الامر معالجة كميات كبيرة من المياه من أجل الحصول على القليل من الذهب، و هذه عملية غير مربحة أيضا.

لكن هناك بعض الاماكن المحدودة في العالم حيث توجد العناصر الأرضية النادرة بوفرة ما يجعل استغلالها أمرا مربحا، توجد هذه الاماكن في الصين و الولايات المتحدة و استراليا و البرازيل و الهند.

الان عرفت لماذا سميت هذه العناصر بالنادرة، يجب أن نذكر شيئا أخر هو أن هذه العناصر حتى إن وجدت فهي صعبة الاستخراج، لأنها غالبا ما تكون مختلطة مع معادن اخرى، و لكونها تتشابه فيما بينها فإن فصل بعضها عن بعض هو عملية بالغة التعقيد و تحتاج لمعدات باهظة الثمن، و هذا ما يفسر كون هذه العناصر ثمينة و أغلى من الذهب.

تاريخ استخدام العناصر الأرضية النادرة

لقد بدأ الانسان يتعرف على العناصر الارضية النادرة منذ القرن الثامن عشر لكن لم تكن تستخدم في شيء، و ظل الوضع كذلك حتى بداية القرن العشرين حيث تم استخدام بعضها في صنع الولاعات و المصابيح، عدا هذان الاستخدامان لم تكن العناصر النادرة  تمثل شيئا ذا قيمة، ففي الصين مثلا عندما كان يتم استخراج الحديد من منجم منغوليا الداخلية كان العمال يلقون بهذه العناصر التي يجدونها جانبا باعتبارها من الشوائب التي لا تصلح لشيء، لم يكن أحد يتصور أنه سوف يأتي يوم تصبح فيه هذه العناصر أغلى من الذهب. إنما ما الذي تسبب في رفع أسهم هذه العناصر حتى جعلها قيمة إلى هذا الحد؟

في الستينات من القرن العشرين طرح التلفزيون الملون في الاسواق، و أخد الناس يتهافتون على اقتناءه، و لم تحل سنوات السبعينات حتى كان معظم سكان الولايات المتحدة يتوفرون على جهاز تلفزيون ملون، إن هذا الجهاز الذي كان اخر صيحات التكنولوجيا انذاك لم يكن ليصنع لولا استخدام عنصرين من العناصر الأرضية النادرة و هما يوتريوم و اوروبيوم لقدرتهما على بعث الضوء.

و بارتفاع الطلب على التلفاز الملون ارتفع الطلب على العناصر الأرضية النادرة، كانت الولايات المتحدة هي المزود الاول للعالم بهذه المواد و بنسبة % 85 و معظم الانتاج كان يأتي من منجم مونتن باس في كاليفورنيا.

لقد اكتشفت العناصر الارضية النادرة في كاليفورنيا بالصدفة سنة 1949، و  ظلت المصدر الرئيسي لهذه العناصر إلى أن حدثت سنة 1997 كارثة بيئية عجلت بإقفال منجم مونتن باس، فلقد سمح للشركة المسئولة عن استخراج العناصر النادرة منه بمد أنبوب ينقل مياه الصرف الصحي صوب الصحراء ليلقي بحمولته من المياه التي كانت تزعم الشركة أنها مياه مالحة فقط، لكن حدث فجأة انفجار لهذا الانبوب ليتبين للجميع أن الأنبوب كان ينقل في حقيقة الأمر مياها ملوثة بمواد كيميائية خطيرة تستعمل في استخراج العناصر النادرة، فثار أنصار البيئة على الحادثة، و تحولت إلى قضية رأي عام ليتقرر اقفال مونتن باس سنة 2001.

هكذا توقف منجم كاليفورنيا عن انتاج العناصر النادرة بيد أن الطلب على هذه العناصر لم يتوقف بل لم يزدد إلا حدة، خاصة مع حصول ثورة تكنولوجية نتج عنها ظهور اجهزة الكترونية جديدة كالهواتف الذكية، الحواسيب، التلفاز الرقمي، الكاميرات الرقمية، و الكثير من الاجهزة التي تستخدم في المجال الطبي فمن سيسد الطلب على العناصر النادرة إذن؟

لقد كانت الصين تقوم أيضا باستخراج العناصر الأرضية النادرة، و تساهم في تزويد العالم بنسبة لا بأس بها، و كانت تصدر تلك العناصر خاما لأمريكا و اوروبا حيث تتم معالجتها، و بعد اقفال منجم مونتن باس و بفضل وفرة اليد العاملة الرخيصة في الصين و عدم وجود قيود بيئية كثيرة فقد اضحت الصين المزود الاول للعالم بهذه المواد و بنسبة % 97، و كل الدول التي كانت تنتجها سابقا خرجت من مضمار السباق لأنها لم تستطع منافسة الصين التي تبيع تلك العناصر بأثمنة ارخص.

اليوم يعتمد العالم على الصين اعتمادا شبه كلي للحصول على العناصر النادرة، و مادامت حياتنا قد اصبحت مرتبطة بأجهزة التكنولوجيا الحديثة، و لأن هذه الاخيرة لم تكن لتتاح لولا وجود العناصر النادرة فإن الصين بحق اصبحت تمتلك مفاتيح التكنولوجيا، و هذا ما دفع بالرئيس الصيني دينغ شيوننغ للقول

للشرق الاوسط بتروله و للصين العناصر الأرضية النادرة.

خصائص العناصر الأرضية النادرة و استخداماتها

إن العناصر الأرضية النادرة تمتلك خصائص فريدة من نوعها هي التي جعلتها ركنا أساسيا في الصناعة الالكترونية، فبعضها له قدرة هائلة على توصيل الكهرباء، بعضها الاخر يمتاز بمغناطيسيته التي لا مثيل لقوتها، و بعض هذه العناصر يمتاز بالقدرة على انتاج الضوء و غير ذلك.

إن المجال الذي يستهلك أكبر قدر من العناصر النادرة هو البصريات، فمن هذه العناصر يتم صناعة عدسات للنظارات ذات كفاءة عالية تستخدم لتصحيح النظر، و تتميز بكونها أخف و أرق من العدسات العادية.

أيضا مكنت العناصر النادرة من صنع عدسات للكاميرا الرقمية و الهواتف الذكية تمنح للمستخدم صورا عالية الدقة.

ثم تأتي بعد ذلك المحركات الكهربائية التي هي أيضا و لكي تعمل بكفاءة فلا مناص من استخدام العناصر النادرة، كيف ذلك؟

إن الكثير من العناصر النادرة تنتج مغناطيسا قويا أقوى بكثير من المغناطيس الذي نعرفه و المصنوع غالبا من الحديد أو الفولاذ، هذه الخاصية استغلت في انتاج المحركات الكهربائية لأن هذه الاخيرة تحتاج للمغناطيس حتى تستطيع تحويل الطاقة الكهربائية إلى طاقة حركية، و كلما كان المغناطيس المستخدم قويا كلما كانت الحركة المولدة اقوى.

في السابق و للحصول على محركات ذات طاقة كبيرة كان الصانعون مضطرون لاستخدام كمية كبيرة من المغناطيس، و لكن ذلك يجعل المحركات تبدو كبيرة الحجم، أتت العناصر الارضية النادرة بالحل إذ يكفي القليل منها للحصول على محركات ذات طاقة كبيرة و في نفس الوقت صغيرة الحجم.

بفضل العناصر الارضية النادرة ازدهرت صناعة السيارات الكهربائية، فالمحرك الكهربائي الصغير و الفعال أفسح المجال لإضافة اجهزة أخرى داخل السيارة، أيضا إن خاصية المغناطيسية استخدمت كذلك في صنع التوربينات العملاقة التي تولد الطاقة الكهربائية انطلاقا من قوة الرياح.

هنا يظهر لنا كيف أن العناصر النادرة تساهم في الحصول على بيئة نظيفة و الحد من الاحتباس الحراري، فالسيارات الكهربائية لا تلوت الهواء و التوربينات تمكننا من الحصول على الطاقة الكهربائية دون الاعتماد على الوقود الأحفوري الذي تسبب في تلوت الهواء، و رفع درجة حرارة الأرض.

إن عدد الأجهزة التي تدخل العناصر النادرة في صناعتها كثيرة جدا و لا يسعنا إلا أن نذكر اهمها، فهناك مثلا جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي الذي يستخدم للحصول على صورة مفصلة و عالية الدقة للأعضاء و الانسجة داخل الجسم.

ثم هل تعلم أن العناصر النادرة موجودة أيضا في هاتفك الذكي و رغم كونها لا تشكل اكثر من % 0.1 من وزنه إلا أنها ضرورية جدا فلولاها لكان الهاتف المحمول بحجم الحاسوب.

و بخلاف الاعتقاد فإن العناصر النادرة لا تدخل غالبا في صناعة البطاريات، لأن هذه الاخيرة تعتمد على عنصري الليثيوم و الكوبالت و هما لا ينتميان للعناصر النادرة.

رحلة البحث عن العناصر الأرضية النادرة

اليوم تحتكر الصين إنتاج العناصر النادرة فهي تنقب وتستخرج و تعالج تلك العناصر مستفيدة من كثرة اليد العاملة الرخيصة، و عدم وجود قيود بيئية كثيرة، لذلك فقرابة % 97 من الانتاج العالمي من العناصر النادرة يأتي من الصين، فما الذي يعنيه ذلك؟

يعني بأن الصين اليوم تمتلك مفتاح التكنولوجيا، و أن الدول المتقدمة كاليابان و أمريكا الشمالية و اوروبا الغربية لا يمكنها تحقيق تقدم تكنولوجي دون الاعتماد على الصين، و أن هذه الأخيرة قد تستخدم هذه العناصر كورقة رابحة لكسب الكثير من القضايا السياسية، و قد حدث بالفعل سنة 2010 إن قللت الصين من صادراتها من العناصر النادرة بسبب أزمة وقعت بينها و بين اليابان حول جزر تمتلكها اليابان و تطالب بها الصين، و علاوة على الازمات السياسية فإن الصين تحاول بين الفينة و الاخرى التقليل من صادراتها لأنها تريد أن تلبي سوقها الداخلي أولا، فالكثير من الاجهزة الالكترونية تنتج و تستهلك في الصين نفسها، فالبلاد على سبيل المثال تضم أكبر عدد لمستعملي الهاتف الذكي في العالم.

إن الرغبة الجامحة في التخلص من التبعية للصين هي التي دفعت الكثير من الدول للقيام بأبحاث و تنقيبات في اماكن مختلفة من العالم، على أمل العثور على مستودعات من العناصر النادرة، و لقد قادهم البحث إلى أعماق المحيط الهادي حيث تم العثور على صخور تسمى الصخور العقد المنغنيزية يعتقد على أنها تحتوي على العناصر النادرة، إن البحث في المحيط الهادي حيث تكثر هذه العقد يجري على قدم و ساق من طرف الولايات المتحدة و المانيا و السويد، و الكل ينتظر قدوم ذلك اليوم الذي يجدون فيه ما يكفي من العناصر النادرة التي تجعلهم يستغنون عن الصين.

الوجه المظلم للعناصر النادرة

من المؤكد أن العناصر النادرة قد مكنت الانسان من صنع أجهزة تقلل من التلوث كالسيارات الكهربائية و توربينات الرياح و غيرها، و لكنها في الان ذاته تسببت في إلحاق أضرار بالغة بصحة الانسان و بيئته، كيف ذلك؟

إن استخراج العناصر النادرة و فصلها عن بعضها البعض عملية طويلة و معقدة، و تستخدم فيها مواد كيميائية خطيرة يمكن أن يؤدي التعامل الغير سليم معها إلى الحاق أضرار بالبيئة و البشر على نطاق واسع.

في منغوليا الداخلية بالصين المكان الذي تستخرج منه معظم العناصر النادرة، يشكو الناس القاطنون في المدن القريبة من أمراض خطيرة مرتبطة بالتلوث، و في ماليزيا سنة 2011 كان منجم ميراه الذي تستخرج منه العناصر النادرة وراء حدوث تشوهات خلقية و الاصابة بسرطان الدم في المستوطنات البشرية القريبة من الموقع، مع أن الوثائق الصحية تثبت عدم وجود هذه الأمراض بمستويات مرتفعة قبل البدء باستغلال هذا المنجم.

و لا ننسى أن التلوث كان وراء اغلاق منجم مونتن باس في كاليفورنيا، و هو السبب نفسه الذي يحول دون البحث عن هذه العناصر في اوروبا لأن القيود البيئية تمنع ذلك.

مازالت الصين إلى اليوم تتربع على عرش منتجي العناصر الأرضية النادرة، و مازالت دول العالم المتقدم الاخرى في بحث مستمر عن مصادر جديدة لها، إننا اليوم مرتبطون أشد الارتباط بهذه العناصر لأن حياتنا العصرية قائمة عليها، و لا يمكنك أن تستغني عنها إلا اذا اعتزلت المدنية الحديثة، و اتخذت من غابة بعيدة مسكنا لك دون أن يكون بين يديك أي جهاز من الأجهزة الحديثة، و حتى في هذه الحالة فعندما يحل الليل و تشتد الظلمة و تريد أن توقد نارا اخرجت من جيبك ولاعة فتكون مرة اخرى قد استخدمت منتجا يعتمد على العناصر النادرة.

المصادر

David. A.Atwood. The Rare Earth Elements funfamentals and applications. University of kentucky USA.2012

Rare earth materials properities and applications. A.R.JHA.CRC press. 2014

اترك تعليقاً